رغم أن مشروع الأسر المنتجة
يحمل في ظاهره بشرى خير لقطاع كبير من الفقراء إلا أن الدولة في السودان قد تخلت
عنه أخيرا لصالح مشاريع أخرى منها مشروع الخريج . ولا توجد دراسات على مستوى
الديوان لتقويم هذه التجربة إلا أن المقابلات التي أجريتها مع العاملين في الميدان
أوضحت أن المشروع ناجح وخاصة عندما يتم اختيار وسيلة الإنتاج بشكل يتناسب والبيئة
وكذلك مع قدرات الأسرة، فعلى سبيل المثال
في عام 2006 م
هناك عشر أسر في منطقة فوجة تم إمدادها بالمواشي بمعدل 40 شاة لكل أسرة، وفي نهاية العام قامت تسع أسر بدفع الزكاة أما
الأسرة العاشرة فقد باعت مواشيها .
ويقول الموظفون في الميدان أنه
بصورة عامة فإن الأسر التي تم تمويلها كانت النتيجة هي أن 25 في المائة من الأسر
استطاعت أن تصل إلى حد النصاب بعد مرور السنة وقامت بدفع الزكاة، وأن 50 في المائة منها استطاعت أن تغطي
احتياجاتها من خلال إيرادات وسيلة الإنتاج وتم شطبها من قائمة المستحقين للزكاة .
أما الـ 25 في المائة الباقية فقد فشلت في تحقيق الاكتفاء الذاتي وبقيت ضمن قائمة المستحقين للزكاة . ونعود
للقول أن هذه الخلاصة ليست مبنية على مسح شامل ودقيق للمعتمدية بل بناء على دراسة
جزئية لبعض العاملين بحكم عملهم في ميدان الجباية والإنفاق واحتكاكهم الدائم
بالأسر الفقيرة .
صعوبات تطبيق مشروع الأسر
المنتجة
بالرغم من وجاهة فكرة مشروع
الأسر المنتجة كوسيلة للقضاء على الفقر إلا أن أثرها في التطبيق لم يكن في مستوى
الأمل الذي كان يراود الفقراء، فقد قابلت
المشروع مجموعة من الصعوبات الموضوعية منها :
1- كثرة عدد الأسر الفقيرة بحيث
أن نصيب الأسرة لا يتعدى 22228 جنيه سوداني قديم سنويا في أحسن الأحوال أي
حوالي 11 دولار أمريكي وهذا في حالة ما إذ
وزعت حصيلة الزكاة على الفقراء فقط دون المصارف الأخرى . ولا توجد وسيلة إنتاج ذات
بال يمكن أن تُشترى بهذا المبلغ، ناهيك عن
أن الوضع السائد في المنطقة وخاصة الحرب الدائرة في غرب السودان تجعل عدد الأسر
الفقيرة في ارتفاع من سنة إلى أخرى، وهذا
الانخفاض في نسبة ما تحصل عليه الأسرة لا يرجع إلى سوء تخطيط المسؤولين فحسب بل
مرده كذلك إلى قلة حصيلة الزكاة مقارنة
بعدد الفقراء بحيث يبلغ نصيب الفقير من
الزكاة في عام 2006، وهي أحسن
السنوات من حيث الجباية، 87 جنيها قديم في اليوم الواحد وهو مبلغ لا يكفي
لشراء نصف قطعة خبز .
2- ضآلة ما يخصص للإنفاق على
مشروع الأسر المنتجة . إذ يستخلص من الأرقام المتوفرة والمعروضة سابقا أن ما يخصص
لمشروع الأسر المنتجة هو 22.57 في المائة ولكن النسبة الفعلية متذبذبة حيث سجلت
أدناها في عام 2003 وهي 10.78 في المائة وأعلاها في عام 2004 وهي 28.07 في المائة
لتعود إلى النزول في عام 2006 وتبلغ 19.78 في المائة .
3- عدم اقتران التمويل بتوفير
الحاجات الأساسية المباشرة، حيث يتم إعطاء
وسيلة الإنتاج للأسرة دون منحها مبلغ آخر يغطي الفجوة الدخلية بين وقت استلام
وسيلة الإنتاج ووقت الحصول على إيراد من توظيف وسيلة الإنتاج تلك فتضطر الأسرة إلى
بيع وسيلة الإنتاج أو جزء منها، إن كانت
تقبل التجزئة، لتوفر الحاجات الأساسية
لأفرادها . كأن تُعطى الأسرة مجموعة من الحاسبات الآلية ( كمبيوتر ) لفتح مقهى
إنترنت، فتقوم ببيع بعضها مما يجعل
الإيراد الناتج عن تشغيل الباقي ضعيفا فيفشل المشروع.
4- عدم إجراء دراسة الجدوى للمشاريع قبل الموافقة عليها وهذا بسبب انتشار
مستحقي دعم الزكاة على كل الأرض السودانية الممتدة بمدنها وقراها وأريافها، فمع وجود أمية كبيرة خاصة في المناطق الريفية
يتعذر إجراء دراسة الجدوى هذه لعدم وجود الأشخاص المؤهلين لإجرائها فتكون من نتيجة
ذلك إعطاء الشخص وسيلة إنتاج لا يعرف طريقة تشغيلها، ولا يدرب على ذلك فيضطر إلى بيعها مما يعني فشل
المشروع، كأن يعطى شخص مولدا كهربائيا
ليبيع الكهرباء لسكان منطقته وهو لا يعرف كيف يشغل المولد ولا كيف يصينه
لأن الموافقة على منح وسيلة الإنتاج تتم بناء
على احتياجات المنطقة بالدرجة الأولى وليس على إمكانيات الأسرة.
5- لا يوجد اهتمام بتقويم نتائج
التمويل فلا توجد إدارة لمتابعة الأسر التي تم تزويدها بوسيلة لإنتاج، فالموجود في ديوان الزكاة هي إدارات الجباية
بفروعها المختلفة وإدارات الصرف بفروعها المختلفة، ولعل هذا يرجع إلى حداثة تجربة إعطاء الفقير
وسيلة إنتاج، فرغم كون الفتوى قديمة إلا
أن تطبيقها حديث ولذلك يخشى ديوان الزكاة من تضخم الصرف الإداري على حساب المستحقين الذين جاءت الزكاة لإغنائهم ولأن
إنشاء إدارة لدراسة الجدوى يتطلب توظيف
إطارات مؤهلة وهو ما يعني إعطائهم أجور عالية فيتم استغراق جزء كبير من
أموال الزكاة في بند العاملين عليها وهو ما يتنافى مع مبدأ الاقتصاد في نفقات
الجباية
6- دخول وسائل إنتاج حديثة أثر
سلبا على ممتلكي وسائل الإنتاج القديمة، ففي المجتمعات الريفية كان استخدام العربة التي
يجرها حصان أو حمار هي الوسيلة الوحيدة للتنقل من مكان إلى آخر وحمل الأغراض، لكن مع ظهور أغنياء وامتلاكهم لسيارات الأجرة
وسيارات نقل البضائع صار الناس يلجأون إلى
السيارة بدل العربة التي يجرها حصان أو حمار . كذلك فإن وصول شبكة الهاتف النقال
إلى القرى والأرياف جعل الناس يستغنون عن خدمات مراكز الاتصال، مما جعل العائلات التي تمتلك الحمار أو مركز
الاتصال، وكثير غيرهما، تعود ثانية إلى بؤرة الفقر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق